سبتمبر 12، 2005

ميراثك الأموي يا عربي

لا تحمله هماً وكمداً. انظر وفكر مرة ثانية.

سبقني ابن عبد العزيز وكتب عن الصراع بين الأمويين وآل البيت واتفقنا على أن الأمويين لا هم شياطين ولا ملائكة بل بشر مثل غيرهم يصيبون ويخطئون. لا أحاول أن أستنتج ماذا كان سيحدث لو اتخذت الأحداث التاريخية سيراً آخر مثل ابن عبد العزيز ولكن تشغلني كثيراً الرؤية التاريخية السائدة لأي زمن أو أمة لأن غالباً ما تنقصها الدقة. كلما كانت سائدة كلما رأيت أنني يجب أن أبحث فيها أكثر.

انتهيت من قراءة كتاب يحقق مخطوطة اسمها "قيد الشريد من أخبار يزيد" للإمام العلامة شمس الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن طولون الصالحي الدمشقي. حقق المخطوطة د. كرم حلمي فرحات. خلاصة القول من المخطوطة والتحقيق أن يزيد بن معاوية لم يعط أمراً بقتل الحسين رضي الله عنه ويحاول صاحب المخطوطة ومحققها أن يثبتا أنها كانت مسئولية من كان يحفظ الكوفة في ذلك الوقت وهو عبيد الله بن زياد. في الكتاب أكثر من مناقشة حول ميل البعض إلى لعن معاوية ويزيد ويفند هذا الاتجاه. لا يحاول الكتاب نفي خطأ يزيد في إباحة المدينة المنورة ثلاثة أيام بعد وقعة الحرة ولكن يظهر مدى ندمه على ذلك ومحاولته إصلاح هذا الخطأ الرهيب. نبرة الكتاب دينية أكثر من تاريخية.

تقنعني قراءاتي عن هذا الموضوع أن يزيداً لم يكن ليعطي أمراً بقتل الحسين أبدأ. رأيي أن ابن معاوية وحفيد أبي سفيان الذي يقول المؤرخون عنه أن أبيه، المعروف بدهائه السياسي العجيب، كان يشير إلى ذكائه مقارنة بأولاده الآخرين، كان من الصعب أن يصدر أمراً بهذا الغباء. أعفيه من مسئولية قتل الحسين ولا أحاسبه على رؤيته أنه كان نداً له. كان معاوية يرى نفسه نداً لعلي كما رأى يزيد نفسه نداً للحسين. كان علي صحابياً وكذلك كان معاوية والإسلام يجب ما قبله. كان يزيد يحمي ملكه الذي يراه حقاً له وكان الحسين يدافع عن ما يراه حقاً. كان صراعاً بين بشر.

كان للأمويين إنجازات وأخطاء. أورثونا حكماً وراثياً يتحكم فينا حتى الآن ولكنهم أورثونا أمة عربية أبضأ. أرى الميراث الأخير إنجازاً
عظيماً حتى لو اختلف معي أحد حوله.

ولكن جاء اهتمامي بدراسة التاريخ من مدخل فني. يعكس الفن الحضارة كما يقال. من الصعب جداً اختصار الكلام عن الفن الأموي في سطور قليلة. سأحاول!

لم يبق من العصور الجاهلية العربية أو العصر الإسلامي ما قبل الأمويين ما يدلنا على اهتمام زائد بالتشييد أو الفنون المادية. يبدو مما بقى لنا أن ميل العرب الفني كان له صورة أغلب من غيرها: الكلمة! برع العرب في الشعر.هل لم يهتموا بالبناء ولا الأشياء قدر اهتمامهم باللغة وجمالها وصورها وموسيقاها؟ إن غياب الدليل ليس دليلا على الغياب كما يقولون! تشير الدراسات و الاكتشافات الحديثة إلى نظريات مغايرة لذلك. إن ما فنى و غاب يفقدنا القدرة على رؤية الصورة كاملة.

ثم ظهرت الدولة الأموية وتوسعت وزاد التفاعل مع الحضارات الأخرى حول الجزيرة العربية بصورة غير مسبوقة كما بعد في الزمن، أو أبعد، ميراث الراشدين الملتزم الذي يحث على التواضع. لم يعد هناك من هو مثل عمر بن الخطاب ليبعث لعمرو بن العاص برسالة تأنيبية حادة النبرة لمجرد استخدامه منبراً أعلى من اللازم ليكلم المصلين في أول جامع في فسطاطه. بدأت ثقافة التشييد عند العرب.

كان من الطبيعي أن يتأثر الأمويون بما شاهدوه. لذلك كان فنهم يبدو خليطاً من الفنون البيزنطية والفارسية ولكن بملامح عربية. يستخدم فنانوهم، الذين كان أكثرهم في البدء مستعاراً كذلك من الحضارات الأخرى، نفس الرموز والتطبيقات الفنية باختلافات طفيفة في الأغلب. كان الفن الإسلامي كما ورثناه حالياً في طور التكوين.

ولكن كان أكثر ما يميز الفن الأموي عن فن غيره من الحضارات القريبة هو الامتناع عن تصوير الأشخاص أو الحيوانات في المباني الدينية. يفتي الكثيرون ممن يعتبرون أنفسهم ويعتبرهم الكثيرون علماء بتحريم هذا النوع من التصوير في المطلق. كان غير مقبول في دور العبادة فقط. كل ما بقى من القصور الأموية يزخر بتصوير واضح جداً وجميل جداً للإنسان والحيوان كما توجد الكثير من التماثيل كذلك. لم ير الأموي في ذلك خطأ طالما أن هذا ليس مكاناً للعبادة. كان هذا هو أول طابع إسلامي على التشييد. تحفظ أجزاء من واجهة أحد القصور الأموية التي تؤرخ للقرن الثامن - فصر مشتى بصحراء الأردن - بعمان وبرلين. الواجهة محفورة في الحجر وبها عدد من الحيوانات. ولكن في جزء الواجهة الذي كان أحد حوائط جامع القصر توجد زخارف نباتية فقط. لا تمثيل لحيوان أو إنسان في دار العبادة.

بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة سنة 691 م - وهي بذلك أقدم أثر إسلامي باق - في الحرم القدسي وسط تعداد كبير من المسيحيين. أنشئت القبة لتكرم الصخرة التي يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرج به منها إلى السماء. مبنى القبة مزخرف بفسيفساء مذهلة من الداخل (الزخرفة الخارجية ترجع للعصر العثماني). يبدو المبنى من الداخل، حسب روايات الزوار، كما لو كان مزيناً بالجواهر. الآيات القرآنية في داخله، والتي ترجع إلى العصر الأموي أيضاً، معظمها يشير إلى طبيعة عيسى عليه السلام في الإسلام: نبي لا إله. استخدم الأمويون الكلمة بدلاً من الصورة في هذا المبنى لقدسيته وإن لم يكن جامعاً. صار هذا هو التقليد الذي يناسب الدين الجديد. كان أن تطور هذا التقليد كثيراً بعد الأمويين لأن اللغة العربية يسهل كتابتها في صور زخرفية جميلة جداً كثيراً ما تصل إلى درجات تعقيد تعجز القارئ.

الكلمة! لا يمكن للعربي تجاهلها.

في ميراثك الأموي الكثير من الجمال.