يطلع علينا نهار*
في الوقت الذي أكتب فيه يقضي عدد من شباب مصر أيامه في المعتقل بلا ذنب سوى التعبير عن رأيه ومحاولة مجابهة الظلم. كلما تصلني أخبار الآن عن ما يحدث في بلدي أو عن العالم، أهرب إلى التاريخ. أصبحت على غير عادتي أتذكر أشياء كثيرة بسهولة.
لم يهتم مؤرخو العصور الوسطى في العالم الإسلامي بعامة الناس بالدرجة الكافية. في الغالب يتكلم المؤرخون عن السلاطين والأمراء والحكام وهكذا لأن الأمور كلها لم تكن إلا في أيدي هؤلاء. قد يثور الناس وقد يعترضون ولكن في نهاية الأمر يجد من في السلطة الأساليب المناسبة لقمع كل ذلك وإسكاته. تتراوح الأساليب بين الضرب والسباب والحبس وما هو أبشع من ذلك. في عالم المماليك، يمضي الأمر حسب الظروف. حسب مدى استعداد السلطان أو أمرائه للبطش في وقت غضب العامة.
لم يهتم مؤرخو العصور الوسطى في العالم الإسلامي بعامة الناس بالدرجة الكافية. في الغالب يتكلم المؤرخون عن السلاطين والأمراء والحكام وهكذا لأن الأمور كلها لم تكن إلا في أيدي هؤلاء. قد يثور الناس وقد يعترضون ولكن في نهاية الأمر يجد من في السلطة الأساليب المناسبة لقمع كل ذلك وإسكاته. تتراوح الأساليب بين الضرب والسباب والحبس وما هو أبشع من ذلك. في عالم المماليك، يمضي الأمر حسب الظروف. حسب مدى استعداد السلطان أو أمرائه للبطش في وقت غضب العامة.
يحكي تقي الدين المقريزي عن السلطان الملك المنصور قلاوون في عام 1279/1280 الميلادي فيقول:
"وفيها ترك السلطان ركوبه مدة، وسبب ذلك تغيُّر قلوب الصالحية والظاهرية ومكاتبتهم سنقر الأشقر. فلما بلغ السلطان هذا عنهم خشى من اغتيالهم إياه، وأخذ في التدبير عليهم، فكثرت قالة العامة، وجهروا بقولهم في الليل تحت القلعة بأصوات عالية "بابو عيشه اركب وكن طيب، يابو عيشه" وصاروا يلطخون رنك السلطان في الليل بالقذر، فيتغافل عنهم، وهو يسمع صياحهم في الليل ويبلغه فعلهم برنكه. وزادوا حتى شافهوا أمراءه بالسب، وهم يعرضون عنهم"
لم يكن السلطان متأكداً من سيطرته على الأمور بما يكفي ليرد على تطاول العامة، فقرر تجاهلهم. كان الموقف متأزماً مع المماليك الصالحية والظاهرية (مماليك الملك الصالح نجم الدين أيوب ومماليك الملك الظاهر بيبرس) لدرجة خوفه على حياته، ولهذا لم يكن يركب، أي لم يكن يظهر للعامة راكباً حصانه في مواكب المناسبات وما إلى ذلك. لا يذكر المقريزي كيف انتهى هذا الموقف بالذات بين قلاوون وأهل مصر ولكن بقى الملك المنصور في الحكم سنوات بعد ذلك وكان من سلاطين المماليك الأقوياء.
في كتابه "عامة القاهرة في عصر سلاطين المماليك" يصف د. علاء طه رزق ما رواه ابن بطوطة في تقريره عن رحلته إلى القاهرة في بدايات القرن الرابع عشر الميلادي من أن عدداً كبيراً من العامة تجمهر أسفل القلعة للاعتراض على ما اعتبروه ظلم من السلطان في معاملة أحد الأمراء المحسنين الذي كان معروفاً "بكثرة الصدقات على الأيتام من كسوة ونفقة وأجرة لمن يعلمهم القرآن." استجاب السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون لهذا الاعتراض بالإفراج عن الأمير المعتقل.
يضيف د. علاء: "ليس بالضرورة أن يستجيب النظام السياسي الحاكم في كل أمر يعرضه عليه العامة أو كل مطلب شعبي في شئون الحياة العامة، بل على العكس من ذلك تماماً فربما يمتنع السلطان أو أهل الدولة عن النزول على إرادة العامة أو ربما يتظاهر السلطان بالاستجابة لهم على سبيل التهدئة السياسية دون أن يكون هناك إجراء تنفيذي."
برغم الظلم الشديد والبطش الدائم والقمع المرعب والألعاب السياسية والقتل والاغتيالات والحروب والمجاعات والأوبئة والضرائب والمكوس، لماذا لا يبدو لي عالمنا الحالي أفضل بكثير من عالم المماليك؟ على الأقل كان فنهم فائق الجمال!
المصادر:
تقي الدين المقريزي، السلوك لمعرفة دول الملوك - الجزء الثاني (القاهرة، 1997)
علاء طه رزق، عامة القاهرة في عصر سلاطين المماليك (القاهرة، 2003)
*أغنية بنسهر الأوتار. غناها أحمد منيب وغناها محمد منير وهي جميلة بصوت الاثنين. أعتقد أنها كلمات مجدي نجيب وألحان أحمد منيب
*أغنية بنسهر الأوتار. غناها أحمد منيب وغناها محمد منير وهي جميلة بصوت الاثنين. أعتقد أنها كلمات مجدي نجيب وألحان أحمد منيب

<< Ø§ÙØµÙØØ© Ø§ÙØ±Ø¦ÙØ³ÙØ©