مايو 25، 2006

في نهار طيب

حضرت أكثر من مرة عرض موسيقى وأغاني الزار والمواويل الذي يعلن عنه المركز المصري للثقافة والفنون ويقام بمكان وأعجبني جداً. في أول العرض تمر السيدة السمراء ذات الابتسامة الجذابة على الحضور حاملة مبخرة تطلق بخوراً جميل الرائحة وتطلب ترديد الفاتحة لعدد من آل البيت الكرام تسميهم بالاسم. ختاماً تقول السيدة ما حفظته لجماله:

"ختمنا الفواتح بالنيّرين
سيدنا الحسن وسيدنا الحسين"

لم يمر علي طلب قراءة الفواتح مرور الكرام! لا أجمل من أن تصف إنساناً بأنه نيّر. ليس النور كالضوء. ربما كان النور هو ما تراه الروح لا العين.

الآية 35 من سورة النور من الآيات المتكررة في الفن والعمارة الإسلامية. أرى أن لهذه الآية تأثير ساحر وعندما أرددها يتغير حالي بالفعل. تتكرر الآية كثيراً في الآثار الفاطمية. بخط كوفي فاطمي جميل، مزين بتوريق خارج من حروفه أو صانعاً خلفية لها، ترى الآية واضحة في أكثر من أثر (مثلاً في صحن الجامع الأقمر).

تتكرر الآية على كثير من مشكاوات الجوامع المملوكية بخط الثلث السائد في هذا العصر وبتصميمات جميلة تناسب شكل المشكاة. ترى أمثلة هنا وهنا وهنا. في النموذجين الأولين ترى أجزاء الآية في الجزء الأعلى من المشكاة وفي النموذج الثالث تراها في الجزء الأسفل. تحمل المشكاة الأولى رنكاً كتابياً صغيراً للسلطان حسن وتحمل الثانية رنك الساقي للأمير شيخو، أما الثالثة فتحمل رنكاً مركباً للأمير قانيباي الجركسي.

ربما استخدمت الآية في العصر الفاطمي لأن لها أبعاد في فكر الشيعة الإسماعيلية تتعلق بالنور وبآل البيت وربما استخدمت في العصر المملوكي لمعناها الظاهر الواضح أو ربما لأبعاد صوفية أو ربما كتقليد. في كل تلك الأحوال وبغض النظر عن القصد، يظهر لك الجمال داعياً من الحروف فترى عيناك النور كما ترى الضوء.

في العرض الموسيقي الذي ذكرته، يغني الرجل الأسمر صاحب الصوت الجميل وترد عليه المجموعة ملخصين الحياة كلها بعبقرية التراث:

"يا مركبي سيري في نهار طيب
إياك على صبرنا يكون حسن الختام طيب."

عسى أن يكون هذا النهار طيباً.