فبراير 08، 2007

تواجه النهر العظيم

في أوراق المعماري المصري الراحل حسن فتحي، وجدت صور لمقال نشرته مجلة المصور في عددها الصادر في 25 أغسطس سنة 1950.
معلوماتي عن تاريخ مصر القديم ضئيلة جدا للأسف ولكن لفت نظري هذا المقال بشدة.
المقال عن بردية تشير الدلائل إلى أنها من آثار الدولة الوسطى لمصر القديمة ويرجح أن تاريخها حول عام 1200 قبل الميلاد. يذكر المقال أن البردية اشتراها متحف ليدن عام 1828 واهتم بها حسن فتحي ودرسها.
كتب البردية مصري قديم يدعى ايبوفير كان من كبار المعماريين وفيلسوفا وسياسيا. تحوي البردية على ما يبدو نص اعتراض أرسله ايبوفير إلى الملك ورد الملك عليه. يقول المقال أنه في أواخر الدولة الوسطى ابتليت مصر ب"هزات سياسية عنيفة وانتابتها موجات هائلة من السخط والتذمر نتيجة هبوط مستوى المعيشة العام وانتشار الاضطهاد السياسي والرشوة والمحسوبية بين الناس، وخاصة الموظفين في الدواوين." فكان أن كتب ايبوفير مذكرته إلى الملك يقول:
"مولاي،
لست أرفع صوتي الآن إلى مسامعكم إلا لأخلص نفسي من الألم لما صارت إليه حال البلاد، فهي الآن حقل بور خامد إلا من العبث والفوضى تعصف به رياح اليأس والظلام والموت، بعد أن كان يفيض خيرا ونورا وأملا وحياة.
إن البلاد تدور كما تدور عجلة صانع الفخار. أصبح الطريق الوحيد للثروة هو السرقة. صار كل عمل الغني هو النهب. غدا الذهب نادرا. العجز شمل المحاصيل، فلا قمح ولا شعير ولا فواكه، ولا أعشاب للطيور المقدسة. انعدمت الحرف والصناعات، أفسدها أعداء البلاد فتعطل أصحابها وعمت الفوضى نظام البلاد السياسي فلا توجد مكاتب الموظفين في أماكنها الحقيقية...
"مولاي،
قوانين صالة العدل المقدسة أصبحت عدما يطؤها الناس علنا في الشوارع والميادين. ملفات قاعة الحكم العظيمة نهبها الرعاع. عم الخراب وانقلبت الأوضاع والويل لنا من بؤس هذا الزمان إن طال..."
رد الملك على كتاب ايبوفير قائلا:
"أريد قاعة جديدة للحكم يجتمع فيها أهل الفضل والعلم والمعرفة من الحكماء الذين يختارهم الشعب، تبنى بعيدة عن تمثال إله الموظفين لتسلم من سلطانه ونفوذه، وتقام في طرف الجزيرة تواجه النهر العظيم وهو آت بخيراته من الجنوب وليتطلع النهر إلى المنبع العالي البعيد.
أريد قاعة لآمون العظيم، أبو الآلهة، هي قدس الأقداس لا يدخلها إلا من هو أهل للوصول إلى هذه القمة المقدسة من الأنقياء الأطهار من أهل العلم والمعرفة لينوبوا عن الأمة في علاج الحال.
أريد قاعة بها من المداخل والأبواب والطرقات ما يقف حائلا أمام كل من كان غير ذي علم، وكل من كان من غير الأنقاء الأطهار، بحيث يجد نفسه في الطريق العام كل من حاول منهم الوصول إلى قدس الأقداس..."
كان أن وضع ايبوفير تصميما معماريا لقاعة الحكم المقدسة تلك ووصفه كتابة وجاء حسن فتحي بعد ذلك بقرون ليترجم ذلك النص إلى رسم هندسي.
وصف ايبوفير مبناه قائلا:
"إن بناء قاعة الحكم الجديدة ينقسم إلى قسمين: القسم الأول خاص بأعضاء أحزاب اليمين التي تتولى الحكم، والآخر لأعضاء حزب اليسار الذين يقومون بحمل لواء المعارضة. ويجد الداخل إلى القاعة في مواجهته تماثيل أعداء البلاد وهي: المحسوبية والأنانية والمهانة أو الهوان، وهذه التماثيل وإن كانت أحجامها صغيرة في قسم اليمين وكبيرة في قسم اليسار، فما ذلك إلا للتذكرة بضعف النفس البشرية يا مولاي. فإن من هم في الحكم يرون العيوب صغيرة بينما يراها من في خارجه كبيرة. ولكي يصل النائب إلى قدس الأقداس، عليه أن يدخل من الباب المخصص له، ولكل من نواب اليمين واليسار باب خاص، ويمر في سراديب الاعترافات الإيجابية ذات المنحنيات الإثنى عشر، حيث يجد في طرف كل منحنى بابا من الجرانيت يحرسه إله من الآلهة مهمة كل واحد منها أن يلقي أسئلة على النواب عما سيدور في الاجتماع من نقاش. فمن كانت إجابته صحيحة سمح له بالمرور خلال هذه المنحنيات، أما من خانه العلم وجاءت إجابته غير مطابقة للحقيقة فإن الجدار الجانبي يفتح ويجد النائب المخطئ نفسه في طرقات المحاضرات، وهنا عليه أن يختار بين أمرين: إما أن يدخل إحداها ليتزود بالحقائق والعلم أو أن ينصرف إلى بيته بسلام.
وعلى جانب طرقات المحاضرات تجدون يا مولاي قاعات المحاضرات من نوع جديد يلقيها نفر من العلماء والاخصائيين مجتمعين. فإذا كانت المحاضرة عن أحد الأمراض التي تصيب الفلاحين مثلا كان المحاضرون: طبيبا ومشرعا وأحد رجال بيت المال مضافا إليهم بعض علماء الزراعة والري وبعض مستشارين من الفلاحين وبذلك يتنور النواب ويقفون على حقيقة الموضوعات التي ستكون مدار البحث داخل قاعة آمون المقدسة بحيث لا يصح أن تناقش المسائل الأولية البسيطة أو أن تطول دون مبررات والناس في الحاجة إلى العمل السريع المنتج.
ومن يتخطى هذه المرحلة يا مولاي يصل إلى سراديب الاعترافات السلبية حيث يستقبله الإله أوزريس الذي يقوم باختبار نقاء ضميره وصفاء سريرته، فمن كان طاهرا نقيا دلف إلى قدس الأقداس، ومن كان أسود السريرة مخدوش الضمير فإن نقرة تفتح في الأرض تحت رجليه يسقط منها إلى حيث الإله عم الذي يلتهم الأشرار.
وبهذه الطريقة يا مولاي يرتفع نواب فوق الشبهات ويكونون بالفعل أهلا للنيابة عن الأمة والجلوس في قاعة قدس الأقداس بعد أن يجتازوا صالة الخطوات، ولكي يتعرف النواب على حالة الأهلين الحقيقية ممن دهمهم المرض والبؤس والشقاء، أعد لهؤلاء التعساء مدرج في مواجهة النواب وخلف عرش مولاي حامي الضعفاء. وقد جعلنا بين المدرج والعرش فاصلين من الزجاج قد فرغ الهواء بينهما حتى لا يصل لهؤلاء التعساء ما يدور من نقاش حول مصيرهم وحتى يكون لدى النواب الحرية في الاقتراع ضدهم.
وإن لم يظهر يا مولاي أبواب الخروج من قاعة آمون المقدسة مرسومة في التصميمات فذلك لأنها عملت سحرية من الحجر بحيث لا يفصل الرائي بينها وبين الجدار ولا تفتح إلا عند انتهاء الجلسات من تلقاء نفسها فينصرف النواب في الميعاد بعد أن يؤدوا واجباتهم كاملة.
وأخيرا يا مولاي فإنه يمكن تعميم هذا النظام في مداخل ومخارج الدواوين كلها فلا يدخلها إلا من كان ذا علم صحيح بما سيعرض عليه من أمور ولا يخرج قبل الميعاد، فنقضي بذلك على الأعداء الثلاثة ونوقف الفوضى وننهض بالبلاد ونعيد الابتسام والرضا إلى الآلهة."
المصدر:
"أول برلمان في العالم..كان فرعونيا!" المصور عدد 25 اغسطس سنة 1950
- سبقت حضارت أخرى المصريين في وجود برلمانات ولكن هذا هو عنوان المقال كما نشر