مارس 23، 2007

و إمتى عيني تشوف منظركم

كنت في جناح الهيئة العامة لقصور الثقافة بمعرض الكتاب عندما شد انتباهي كتاب صغير على غلافه جمل لطيف بأحمال مزينة: "فولكلور الحج - الأغنية الشعبية نموذجا"

يقول المؤلف أن بحثه هذا يسجل أغاني الحج في "جانبها اللفظي" فقط لا الموسيقي ويأسف لأن البحث لا يسجل الأغاني المسيحية المصرية التي تصف الحج وتعرف باسم "أغاني القدس." يقول الباحث، كما هو متوقع، أن أغاني الحج المسيحية تشبه الأغاني الإسلامية كثيرا "في بنيتها الأدبية والموسيقية" ويحذر من أنها معرضة للاندثار ربما أكثر من مثيلتها الإسلامية "بعد وقوع القدس في قبضة الاحتلال الإسرائيلي وتوقف رحلات الحج إليها."

يتحدث المؤلف عن قيمة الحج في الوجدان الشعبي والمرتبة الاجتماعية العالية التي يحظى بها العائد من الرحلة الدينية حيث يصبح من "أصحاب الحكمة والشور" ويراه مجتمعه أعلى أخلاقا. هي منزلة اجتماعية عالية أساسها أداء الفريضة وإن يرى المؤلف أن كل هذا التصور الذي يبجل الحاج أو الحاجة هو بدوره في طريقه إلى الاندثار، مثله مثل الأغاني، لأن رحلة الحج أصبحت أسهل كثيرا من الماضي وقد يؤديها المتيسر أكثر من مرة في حياته، وهو ما كان نادرا حتى وقت قريب.

كان للحج احتفالات عامة كخروج موكب المحمل أو عودته أو احتفال خروج الكسوة المرسلة من مصر إلى الكعبة الشريفة. وجدت مقال عن رسالة ماجستير للباحثة شيرين عبد الحليم القباني تشرح أن المحمل المصري ظهر وقت المماليك وتقول:

"أن المحمل لم يكن فقط عبارة عن جمل يحمل كسوة الكعبة وانما كان رمزا لسيادة مصر على الحجاز، تلك السيادة التي تمثلت في تقليد إرسال الكسوة المصرية للكعبة ومخصصات الحرمين الشريفين من غلال ومرتبات للأشراف وأموال لفقراء الحرمين، كما أن مرسوم تعيين شريفي مكة والمدينة كان يخرج من مصر بصحبة ركب المحمل، كما يمثل المحمل ظاهرة إنسانية حضارية، انعكست آثارها على حياة المصريين مثلما انعكست على حياة الحجازيين أيضا، وتمثل ذلك في الازدهار التجاري الكبير الذي كان يواكب فترة الحج وما ترتب عليه من هجرة الكثير من الجنسيات لمصر من شوام ومغاربة وحجازيين، كما ظهر عدة فنون شعبية ارتبطت بالحج والمحمل مثل جداريات الحج، التي كانت ترسم على واجهات منازل الحجاج، وأغاني تحنين الحجاج."

يفرق مؤلف الكتاب بين احتفالات المحمل والكسوة فيقول أن المحمل كان له احتفالان: الطلعة والنزلة، وأنه كان للكسوة احتفال آخر شبيه باحتفال المحمل.

أما الاحتفالات الخاصة بالحجيج في مصر فهي احتفالات وداع وعودة قد تتضمن "زفة الحاج على ظهور الخيل" واحتفالات دينية غنائية وحلقات ذكر للرجال واحتفالات نسائية تغني فيها النساء الأغاني الشعبية الخاصة بالحج والتي يطلق عليها "حنون الحاج" أو "تحنين الحاج." كان من المعتاد أن يقيم الحاج المصري العائد وليمتين، الأولى فور وصوله وتسمى "وليمة النزلة" والثانية بعد أسبوع من الوصول وتسمى "وليمة السبوع."

أغاني تحنين الحجاج معروفة في بلاد عربية وإسلامية أخرى مثل فلسطين ولبنان والأردن وسوريا وغيرها. يأتي مصطلح "حنون الحجاج" من الحنون أو التحنن و"هو الحنين والشوق وشدة البكاء والطرب، أو هو صوت الطرب عن حزن أو فرح." الرحلة القادمة صعبة تصاحبها المخاطر ولا يحظى بها إلا الموعودون. هي جائزة عظمى ولكن يخشى الأهل والأحباب عدم عودة الحجاج ثانية وألا يكون هناك لقاء بعد الفراق.

كانت "ليالي التحنين" تقام قبل أسبوعين أو ثلاثة من سفر الحجاج وتتوقف بعد السفر لتعود مع مجيء البشير ليزف عودة الحجاج سالمين - تصل البشارة قبل وصول الحجاج الذين كانوا يقضون بعض الوقت في الحجر الصحي في جبل الطور. بدأت أغاني التحنين كطقس نسوي انتقل لاحتفالات الرجال بعد ذلك فأصبحت تلك الأغاني تخاطب الضميرين المؤنث والمذكر بعد أن كان معظمها يتكلم عن النساء. لم تقتصر تلك الأغاني على ليالي التحنين فقط ولكنها أصبحت الأغاني الشعبية التي تصاحب كل احتفالات الحج الخاصة في المجتمعات المحلية ويشير المؤلف إلى أن نساء الحجيج كانوا يتغنون بها في الرحلة نفسها كلما توقف حداء الإبل في قافلة السفر لتهوين المشقة وزيادة الشوق إلى الزيارة.

تصف الأغاني جميع مراحل الرحلة ومنها:

يا جمل يا جمل يابو خف زيني
أشرّق مشرّق والله وأنظره بعيني

و ن مدحت النبي ياما خايل مديحه
إن عطاني ربي لاصلي ف ضريحه

رايحة فين يا حاجة يامّ الشال قطيفة
رايحة أزور النبي محمد والكعبة الشريفة

رايحة فين يا حاجة يامّ الشال سماوي
رايحة أزور النبي محمد وارجع ع الجناوي
(الجناوي = القناوي وهو سيدي عبد الرحيم(

إللي عشق النبي يروح له ع الجريدة
والبخيل يقول: دا طريقه بعيدة

نبي يا نبي قول ع اللي دعيته
بلّغ حجته يا نبي وتردّه لبيته

ومن الأغاني ما يصف قائد الباخرة ليطمئن الركاب:

فاطمة تقول لابوها: ماللموج دا عالي
ماتخافيش يا فاطمة دا ريّس قراري
فاطمة تقول لابوها: ماللموج دا مضلّم
ما تخافيش يا فاطمة دا ريس معلّم
(فاطمة هنا هي السيدة فاطمة الزهراء(

و ف طريق النبي جنينة نشوها
كملتها الملوك وراحوا وسابوها
"وذلك في إشارة إلى الاستراحات التي أنشأها المماليك في طريق الحجاج"

من الأغاني كذلك ما يشير إلى التوسعات والإضافات التي أقامها المماليك في الحرم النبوي:

بنوك جدودي يا حرم النبي بنوك جدودي
بنوك جدودي وسّعوا ساحتك وعلّوا العمودي

أُزيلت كل المباني المملوكية التي كانت تحيط بالحرمين منذ سنوات طوال.

ومن الأبيات الجميلة ما يتغنى بحمام الحمى ونخل الحرمين ومنها كذلك ما يطلب من الحجاج ذكر الوصيفة وهي "بعض الصفات أو العلامات التي تؤكد أنهم قاموا بزيارة قبر النبي عليه السلام ليس شكا في في زيارتهم للحرم النبوي، وإنما ذريعة لوصفه، كما تتصوره المخيلة الشعبية."

ياللي زار النبي يجيب الأمارة
دا المشاعل دهب وخضرا الستارة

يظل أهل الحاج في انتظار البشير ليطمنئهم بأخبار وصول من يحبون وعندما تأتى تلك البشرى تبدأ الاحتفالات بالعودة.

نقرش البوابة ببوهية وزيتي
واكتب حجتي على باب بيتي

لا نزال إلى الآن نرى في أقاليم مصر وأحيائها الشعبية تلك الرسومات الجميلة التي ينفذها الفنان الشعبي على بيوت الحجاج. ربما يكون تصويرا للكعبة أو جملا أو طائرة أو باخرة وعادة ما يكون مصحوبا بآيات قرآنية أو دعوات مناسبة. كنت في بورفؤاد العام الماضي عندما وجدت رسما على أحد البيوت التي كان يسكنها المهندسون الأجانب قبل التأميم وأصبحت بعد ذلك لأهل البلد. للأسف لم أستطع أخذ صورة أحسن من هذه:




وجدت أمثلة لأغاني التحنين في هذا المقال.

في آخر الكتاب مواويل كان المغني يشدو بها في الاحتفالات حينما "يتوقف أحيانا عن أداء أغاني الحج بإيقاعاتها البطئية" المعتمدة على إيقاع الحداء ليمنع الملل. معظم الأغاني مديح للرسول عليه الصلاة والسلام لأن رحلة الحج في الوجدان الشعبي، رغم الوعي الديني بالفريضة الواجبة على من استطاع، هي على الأخص تلك الزيارة الغالية للمصطفى. في أحد المواويل بيت بسيط يمس القلب: "من كان ضمينه النبي لم شق جسمه نار."

من أجمل ما غنت أسمهان ولحن فريد الأطرش أغنية دينية عن الحج تستوحي حداء الإبل بوضوح. أذكر أول مرة سمعت "عليك صلاة الله وسلامه"* آتية من التلفزيون وأنا طفلة وتوقفي للإنصات:

"وإمتى عيني تشوف منظركم
يا مدنتين فوق الحرمين"

قالت أمي: أتعرفين الأغنية؟، فأجبت بالنفي. صمتت لنسمعها سويا فأنشد الصوت العجيب:

"وفي المدينة نالوا القبول
في نور نبينا طه الرسول"

فتنظر لي أمي بعينين تكادان تدمعان وتقول: "لا يغني هكذا إلا مؤمن!"

أقرأ أنا الكتاب إلى آخره فأجد نفسي أبحث عن الأغنية حتى أجدها وأسمعها كثيرا!

"شفاعة يا جد الحسنين"


المصدر:
محمد رجب النجار، فولكلور الحج - الأغنية الشعبية نموذجا (القاهرة، 2003)
* الأغنية موجودة على موقع سواري المفترض أن يعود إلى العمل غدا