رشيد
هذه هي المرة الثالثة التي أزورها.
في الطريق من الإسكندرية إلى رشيد نخيل كثير وهدوء جميل. رشيد هي المدينة المصرية الثانية، بعد القاهرة، من حيث عدد الآثار الإسلامية. معظم آثار رشيد من العصر العثماني. رشيد أيضا ثغر مقاوم. تاريخها في مواجهة الاحتلال معروف.
تتبع رشيد محافظة البحيرة. من مركز قريب من رشيد جاء الجد المشترك لأبي وأمي ويرجع أصل جدي لأبي إلى قرية من نفس المحافظة. منذ أسابيع، أثناء عملي على تلك الأوراق التي تفاجئني، وجدت تقريرا استطلاعيا عن محافظة البحيرة من عام 1969 قدمه اثنان من موظفي وزارة الثقافة - المعاهد الفنية العليا، مركز الفنون الشعبية - وهم الأستاذان: عبد الحميد حواس وصابر العادلي.
عن أهل دمنهور، عاصمة المحافظة، يقول التقرير أن من المقولات التي تطلق عليهم ما يفسرونها هم بطريقة تختلف عن من هم من خارج الإقليم. من ذلك القول المشهور "ألف نوري ولا دمنهوري" الذي يفسره الغير على إنه دليل على خداع الدمنهوري الذي "يغلب عليه طباع التاجر الفردي الذي لا يعرف إلا مصلحته. ويفسر الدمنهوري هذا بأنه إنما يعني شطارة الدمنهوري بالدرجة الأولى."
ومن الأقوال كذلك "دمنهور إللي فلجت الألفي" فيقول الدمنهوريون أنه قول نشأ تصويرا لصراع دمنهور ضد الألفي زعيم المماليك، وأن كثرة تمردهم عليه سبب له "الفالج" وفي تفسير آخر أن صراعهم ضد الألفي "فلقه" أي أثار غيظه وضيقه. وأما غير الدمنهوريين فيقولون ذلك في مقام قدرة الدمنهوريين على إثارة الآخرين وفلقهم غيظا."
يقول التقرير عن لهجة أهل البحيرة أن السائد هو نطق القاف جيما مصرية، مثل الكثير من أقاليم مصر. أيضا "يستخدم المتكلم الفرد عند استعمال الفعل المضارع نون البداية في استعمال المتكلمين الجمع في بداية الفعل وواو الجماعة الغائبة في نهاية الفعل، مثل: أروح = نروحو." ولكن تختص البحيرة بإبدال "نطق الحرف الأخير من الكلمة بهمزة خفيفة، مثال: دمنهور = دمنهؤ."
سمعت كثيرا عن اللهجة الخاصة لأهل البحيرة. أما القدرة الفائقة على التريقة والغيظ فأعرفها جيدا.
ولكن تتميز لهجة رشيد قليلا عن باقي المحافظة، أو ربما كانت تختلف. لا أستطيع أن أعرف حال اللهجة الآن من ثلاث زيارات قصيرات. يقول التقرير:
"تتغير لهجة رشيد عن اللهجة البحيرية المشتركة بعدة سمات أهمها:
أ- استخدام القاف الفصحى (أخذت تلك السمة في الاختفاء)
ب- عدم نطق الحرف الأخير من الكلمة في كثير من المفردات
ج- ظهور الهمزة قوية بدلا من الحرف الأخير في بعض المفردات"
يقول التقرير عن زي رجال رشيد أنه "يتشابه بشكل عام مع الزي الرجالي بين صيادي سواحل البحر المتوسط المصرية ويتكون الزي من السروال الأسود المتسع، قد يكون له عند القدمين أزرار وبه "سيالتين" قد تزخرف فتحتاهما (شاهدنا زي مزخرف باللون الأصفر، والسروال نفسه أبيض."
وعن الأشكال الأدبية: "أبرز ما ذكر لنا من الأشكال الأدبية والموسيقية هو أغاني الصيادين. ذكر لنا شيخ الصيادين أنها ذات طابع خاص وأنها ذات وظيفة هامة إذ أن ريس الصيادين "يحدو" لكي "يهيم" الرجالة أي لكي يبعث الحمية ويزيد من نشاط الصيادين."
أما عن الشخصية المحلية، يقول الباحثان: "وصلت شهرة رشيد في التنكيت و"النأوزة" حتى أقاليم بعيدة بالجمهورية ويؤمن أهل رشيد بنفس الفكرة عن أنفسهم، ويحكون فكاهات عديدة عن أنفسهم تصور سرعة بديهة الرشيدي وقدرته على الانتصار على الآخرين بواسطة المرح."
عن تلك الشهرة يذكر التقرير مثالا وأعرف أنا آخرين مما حُكي لي ولكني لن أذكرهم هنا. النكتة لا تضحك كما ينبغي وهي مكتوبة :)
أما ما أذكره جيدا من الحكايات هي تلك الحكاية عن الأم الرشيدية التي تصور الفرق في عادات الأكل بين أهل السواحل والآخرين من أهل البلاد. نعتبر نحن أبناء القاهرة مثلا أن العدس من الأكلات البسيطة غير المكلفة أو كما يقال من "أكل الفقراء." العدس متوفر ورخيص أما السمك، فعلى عكس المدن الساحلية، ليس دائما في متناول الجميع.
تحكي القصة عن الأم الرشيدية التي تشجع ابنها تلميذ الكٌتّاب على كتابة اللوح فتقول له:
"لو كتبت اللو...هاعمل لك عدس ومقلّي له. أما لو ماكتبوش...رز وسمك أما تطلع عينيك"
اللو.. هو اللوح ولكن يختزل أهل رشيد الحروف الأخيرة في بعض المفردات. "العدس ومقلّي له" هي صينية العدس الأصفر ويجب نطق القاف قافا فصحى صحيحة كما كان ينطقها أهل رشيد.
في أيام الشتاء شديدة البرودة، أدخل بيتنا فأشم بوضوح رائحة صينية العدس اللذيذة التي تطبخها أمي إلى الآن وراثة عن عمتها التي هي حماتها أيضا، فأبتسم وأقول في نفسي: "عدس ومقلّي له." الرائحة وحدها تبعث بالدفء.
غادرنا رشيد عصرا. مشيت وسط المجموعة الصاخبة تودعنا نظرات الأهالي التي بدت لي ساخرة جدا، ربما لمعرفتي بالطبع السائد والخصلة صعبة المقاومة :).
تساءلت في نفسي عن شكل وروح تلك المدينة اللطيفة ليلا. لم أرها في ذلك الوقت أبدا. يا ترى كيف ليلها؟
ربما كان الغرق هو مصير المدينة الجميلة بسبب تغير المناخ بعد سنوات طالت أم قصرت. ربما لا يتحقق ذلك بالضبط في النهاية.
ربما ظللت أنا إلى نهايتي، قربت أم بعدت، لا أنسى الحكايات أبدا، ولا من كان يحكيها.
المصدر:
عبد الحميد حواس وصابر العادلي "تقرير عن استطلاع البحيرة (المدة من 13/8 - 29/8/1969،" وزارة الثقافة، المعاهد الفنية العليا، مركز الفنون الشعبية

<< Ø§ÙØµÙØØ© Ø§ÙØ±Ø¦ÙØ³ÙØ©