أغسطس 28، 2007

المشي طاب لي


اقترب الشهر الكريم. المشي حيث يطيب لي الآن مملوء بالفوانيس الملونة. تمشية طويلة بعض الشيء في شارع الأزهر تنتهي إلى شارع المعز بعد أن تضجر مني الصحبة وتتعب ويعترض بعضهم: "هو إنت عارفة إنت رايحة فين؟"

"قربنا خلاص! مش عاوزة شكوى!"

نقف في أوله فتتطلع العيون بفضول إلى قلبه. أقف بينهم وبينه محيلة نظرهم إلى الغورية. ليس لهذا سبب يتعلق بهم، بل بي أنا. عند بدء المشي الذي يطيب، يطيب لي التباطؤ والتحضير. الوقت ليل لأن الزيارة نهارا تستحيل في هذا الحر الرهيب. شارع المعز لدين الله جميل في ليله كما في نهاره.

الشارع الآن ممهد بعد أن قضى فترة طويلة في حفر وفحت وتمر السيارات بأجزاء فيه ولكن ليس فيه كله.

في هذه الزيارة الليلية دخلت أكثر من أثر. في ليل الصيف ونس. كنت في صحن مدرسة برسباي عندما تذكرت المشي الطيب.

هذه المرة أنا مع من صحبة توحدني بهم قرابة الدم. يجمعنا شبه واحد وخصال واحدة تدهش الأغراب. نمشي في وحدة واحدة منا من يسكن هذا البلد ومنا من جاء من قارة أخرى عاش فيها طويلا. لا زال يجمعنا التشابه ولا زلنا لا نستطيع التغلب على خصلة السخرية من أنفسنا وكل ما حولنا.
في كل كلمة وكل خطوة حنين إلى زمن مضى ولن يعود. تاريخ بلد في هذا الشارع وفي القلوب ذكريات بعدد أيام العمر في أماكن أخرى أسعد الله زمانها.

أقف في صحن المدرسة وأنظر إلى الطراز الكتابي ثم إلى السماء. أما في الشارع، فيكاد البدر يكتمل لينير منه ما أظلم.

كان السلطان الملك الأشرف بارسباي من سلاطين المماليك البرجية. في مقدمة كتابه عن برسباي يقول المؤلف: "فبعد وفاة السلطان الناصر محمد، اضطربت أحوال البلاد السياسية والاقتصادية، وذلك بسبب النزاع على السلطة وازدياد نفوذ الأمراء، مما دفع بأعداء الدولة إلى التربص بها والنيل منها، فانتهز بطرس الأول ملك قبرص هذه الفرصة وقام بالهجوم على مدينة الإسكندرية مركز التجارة العالمية في سنة 767ه/1365م، فكان هجوم القبارصة على الإسكندرية في ظروف غير مواتية للمصريين، مما تعذر عليهم التصدي للقبارصة الذين استولوا على الإسكندرية، ثم ما لبثوا أن تركوها بعد أن نهبوها وخربوا كل ما فيها وعادوا إلى بلادهم، سالمين غانمين.

وظلت غزوة الإسكندرية وصمة عار على جبين المصريين بصفة خاصة والمسلمين بصفة عامة، وقد تعذر على المصريين الثأر لأنفسهم ورد إعتبارهم حوالي اثنين وستين عاما، وذلك بسبب أن حالة مصر بعد غزوة القبارصة كانت امتدادا لما هي عليه قبل تلك الغزوة، فقد كثرت الأوبئة والفتن والمؤامرات. علاوة على هجوم التتار على بلاد الشام وتعدي الفرنج على سواحل مصر والشام.

وقد اجتازت مصر هذه الفترة العصيبة من تاريخها في عهد السلطان الأشرف برسباي، الذي تولى الحكم في سنة 825ه/1421م، فقد امتازت فترة حكمه بالاستقرار وقلة الاضطرابات، وذلك على الرغم مما قاساه الناس في عهده بسبب سياسته الاحتكارية، هكذا تهيأت لبرسباي الفرصة للأخذ بالثأر ورد الاعتبار لمصر بفتح قبرص في سنة 829ه/1426م وأسر ملكها جانوس الذي أصبح نائبا عن السلطان برسباي في قبرص، وذلك بعد أن عفا عنه برسباي مقابل دفع الفدية المتفق عليها والتعهد بدفع الجزية السنوية للسلطان برسباي.

وهكذا أخذ المصريون ثأرهم من قبرص كاملا، مما حل بهم من قبل على يد بطرس الأول ملك قبرص في سنة 767ه/1365م، ولقد وصف بعض المؤرخين هذا العمل بأنه نوع من أعمال الجهاد والفتح."


أخرج من المدرسة الهادئة ليلا إلى الشارع الساكن إلا من صوت آذان العشاء. أنا في هذا الشارع من المريدين والدراويش. في كل شبر منه ونس للقلب.
في الشارع أجدني أدندن:
المشي طاب لي
والدق على طبلي
ناس كانوا قبلي قالوا في الأمثال
الرجل تدب مطرح ما تحب...

المصدر:
د. محمد عبد الغني الأشقر، الملحمة المصرية: عصر المماليك الجراكسة ورد الاعتبار في عهد برسباي (767-829ه/1365-1426م) (القاهرة، 2002)