مجدوب لا حيلة فيه*
"نعم ولكن كان هذا في الشاهنامة..."
ينظر إلى بغضب فأعرف أنني قد ارتكبت خطأ ما. أنتهي من سؤالي فيصحح:"نعم، في'الشاهنامة'..." ينطقها نطقا إيرانيا صحيحا بتفخيم حروف المد وكسر آخرها كسرا خفيفا، لا بطريقتي الخاطئة التي تطغى عليها العربية. إلى الآن، لا أنطق الكلمات التي تعلمتها منه إلا كما ينبغي أن تنطق وإن بدا هذا غريبا في بعض الأحيان. في نطقه لعربيته الجيدة جدا يحرص بشدة على نطق كل الحروف صحيحة. تقف القاف الصعبة في حلقه قليلا قبل أن تخرج واضحة وقوية وصحيحة. ينطقها بصعوبة لكنه ينطقها من الحلق، لا صوتا مشوها بين القاف والكاف كما تخرج من الكثيرين ممن تعد لغة الضاد لغتهم الأم. يجتهد ويدقق فيتوقع المثل من تلاميذه، لذا لا يسمح لنا لا بأخطاء ولا هنات. يتباسط في التعامل مع طلبة الدراسات العليا، فهم ليسوا أطفالا. يخاطبونه كلهم باسمه الأول وهو ما يسمح به ويشجعه. لا أجسر أنا على رفع الكلفة أبدا، فلا أشير إليه إلا بلقبيه، العلمي والاسمي، ولا أخاطبه إلا قائلة: "سيدي."
خرجت من مناقشة رسالة الماجستير منهارة في بكاء حبسته طوال الجلسة وانفجر في ألم بعدها. كان قاسيا علي جدا. كلنا نعرف قسوته تلك لأنه يريدنا أن نكون باحثين جيدين، ولكني لم أتوقعها لهذه الدرجة. كتبت الرسالة في أسوأ فترات حياتي على الإطلاق فلم تخرج كما تمناها هو لي ولم يسامحني عليها. لم ير أن لي عذر في أن أقدم أقل مما أقدر عليه. الآن، نسي كل هذا ويقابلني ببشاشة دائمة ويشجعني إن استطاع. أدين له بالكثير مما تعلمت وتتبعني دقته إلى الآن. إن كتبت، أقرأ ما كتبت مرة وأخرى وفي ذهني سؤال عما سيقول إن قرأ ما كتبته يوما. الأستاذ المتفاني يجبر التلميذ على احترامه إلى آخر العمر. كان من حظي السعيد أن رزقني الله بأساتذة يحبون مجالهم بقدر شدتهم وزملاء يجمعهم غرام بذات المجال ورغبة دائمة في الاستزادة.
في وسط إيران خمسة جوامع تنتمي للمرحلة الزمنية بين 1445 و1535 وبكل منها منبر مكسو بالقاشاني وهو ما لم يكن معتادا في إيران على كثرة التنويعات على فنون الخزف والفخار بها وتمكن فنانيها من هذه الفنون لدرجة الإبهار. حتى فترات تدهور فن الخزف في إيران أنتجت ما هو من أبدع ما تراه العين، فما بالك بتحف فترات الإتقان.
أحد هذه المنابر هو منبر المسجد الجامع، أو مسجدي ميدان، بكاشان (قاشان). للأسف لم أجد أية صور للمنبر على النت، ولكن ربما تعطي هذه الصور بعض الفكرة عن خزف كاشان:
1 ، 2 ، 3 ، 4، 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9
على المنبر كتابات منها:
"أغثني يا غياث المستغيثين"
"عمل حيدر كاشي تراش"
(أي عمل حيدر قاطع البلاطات)
"في أيام دولة السلطان الأعظم و الخاقان الأفخم الأكرم غياث الدنيا و الدين سلطان أبو سعيد كوركان خلد الله ملكه و سلطانه"
دراسة ما تحب من متع الحياة وأحلى ما تقضي فيه أيامك، والفن من مباهجها الأجمل.
ربما تتطور الدراسة إلى شغف طاغ، ثم إلى انجذاب تام!
حينذاك تدرك أن لا حيلة لك.
المصادر:
Bernard O’Kane, “The Tiled Minbars of Iran,” in Studies in Persian Art and Architecture (Cairo, 1995)
* محمد العزبي يحكي عن يس
المصادر:
Bernard O’Kane, “The Tiled Minbars of Iran,” in Studies in Persian Art and Architecture (Cairo, 1995)
* محمد العزبي يحكي عن يس

<< Ø§ÙØµÙØØ© Ø§ÙØ±Ø¦ÙØ³ÙØ©